ابن أبي الحديد
141
شرح نهج البلاغة
( ولكنه أخلد إلى الأرض ) ( 1 ) ، ليس يريد به الأرض بعينها بل الدنيا وما فيها من الملاذ وهوى الأنفس . قوله عليه السلام ( قذفا بغيب بعيد ) ، أي قال إبليس هذا القول قذفا بغيب بعيد ، والعرب تقول للشئ المتوهم على بعد هذا قذف بغيب بعيد والقذف في الأصل رمى الحجر وأشباهه ، والغيب الامر الغائب ، وهذه اللفظة من الألفاظ القرآنية ، قال الله تعالى في كفار قريش ( ويقذفون بالغيب من مكان بعيد ) ( 2 ) ، أي يقولون هذا سحر ، أو هذا من تعليم أهل الكتاب ، أو هذه كهانة ، وغير ذلك مما كانوا يرمونه عليه الصلاة السلام به . وانتصب ( قذفا ) على المصدر الواقع موقع الحال ، وكذلك ( رجما ) وقال الراوندي انتصبا لأنهما مفعول له ، وليس بصحيح ، لان المفعول له ما يكون عذرا وعلة لوقوع الفعل ، وإبليس ما قال ذلك الكلام لأجل القذف والرجم ، فلا يكون مفعولا له . فان قلت كيف قال عليه السلام ( قذفا من مكان بعيد ، ورجما بظن غير مصيب ) ، وقد صح ما توهمه وأصاب في ظنه ، فان اغواءه وتزيينه تم على الناس كلهم الا على المخلصين قلت اما أولا فقد روى ( ورجما بظن مصيب ) بحذف ( غير ) ، ويؤكد هذه الرواية قوله تعالى ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه الا فريقا ) ( 3 ) واما ثانيا على الرواية التي هي أشهر فنقول اما قذفا من مكان بعيد ، فإنه قال ما قال على سبيل التوهم والحسبان لأمر مستبعد لا يعلم صحته ولا يظنها ، وليس وقوع ما وقع من المعاصي وصحة ما توهمه بمخرج لكون قوله الأول ( قذفا بغيب بعيد ) ، واما ( رجما بظن غير مصيب )
--> ( 1 ) سورة الأعراف 176 . ( 2 ) سورة سبأ 53 . ( 3 ) سورة سبأ 20 .